الرثاء في الادب العربي‎

شارك المقالة
الرثاء من الموضوعات البارزة في الادب العربي ، اذ طالما بكي شعراونا من رحلوا عن دنياهم وسبقوهم الى الدار الآخرة ، بكاء يتعمق في القدم منذ وجد الانسان ، ووجد امامه هذا المصير المحزن :
مصير الموت والفناء الذي لا بد ان يصير اليه ، فيصبح أثرا بعد عين وكان لم يكن شيئا مذكورا .
انواع الرثاء
ولكل امة مراثيها ، وألامة العربية من الأمم التي تحتفظ بتراث ضخم من المراثي ، وهي ثاخذ عندها الوانا ثلاثة ، هي الأدب والتابين والعزاء :
أ- الندب : هو بكاء الاهل والاقارب حين يعصف بهم الموت ، فيئن الشاعر ويتفجع اذ يشعر بلطمة مروعة تصويب الى قلبه ، فقد اصابه القدر في ابنه او ابيه او اخيه ، وهو يترنح من هول إلاصابة ، ترنح الذبيح ، فيبكي بالدموع الغزار ، وينظم الاشعار يبث فيها لوعة قلبه وحرقته . والشاعر لا يندب نفسه وأهله فحسب .
بل يندب أيضا من ينزلون منه منزلة النفس والاهل ممن يحبهم ويوثرهم.
ب- التابين : ليس التابين نواحا ولا نشيجا على هذا النحو، بل هوادني الى الثناء منه الى الحزن الخالص ،ان يخز نجم لامع من سماء المجتمع ، فيشيد به الشعراء منوهين بمنزلته السياسية أو العلمية او الادبية ، وكانهم يريدون أن يصوروا خسارة الناس فيه ، ومن هنا كان الثابين ضربا من التعاطف والتعاون الاجتماعي، فالشاعر فيه لا يعبر عن حزنه هووانما يعبر عن حزن الجماعة وما فقدته في هذا الفرد المهم من أفرادها، ولذلك يسجل فضائله ويلة في هذا التسجيل وكانه يريد ان يحفرها في ذاكرة التاريخ حمرا حتى لا تنسى على مرّ الزمن.
ج- العزاء : والعزاء مرتبة عقلية فوق مرتبة التابين ، اذ نرى الشاعر ينفذ من حادثة الموت الفردية التي هو بصددها الى التفكير في حقيقة الموت والحياة ، وقد ينتهي به هذا التفكير الى معان فلسفية عميقة ، فاذا بنا نجوب معه في فلسفة الوجود والعدم والخلود . ومرد هذا كله ان الحياة ظل لا يدوم ، نقرا لابن المعتز مثلا :
ألست ترى موت العلا وكيف دفنا الخلق في قبر
وللدهر أيام بستن عوامدا ويُحسين ان أخشن غير عوامد
رثاء المدن والبلدان :
عرف الشعر العربي بدءا من العصر العباسي الاول مرة رثاء المدن ، فقد بكى الشعراء بغداد حين اصابتها كوارث النهب والتحريق في حروب المامون والامين ، ونجد هذا الرثاء ايضا حين هجم صاحب الزنج مجموعه على البصرة وانزل بها النهب والسلب والحرق وفتك باهلها فتكاً ذريعا ، وفي مقدمة تلك المراثي التي قيلت في هذه الحادثة ، مرثية ابن الرومي التي مطلعها؛
ذاد عن مقلتي لذيذ المنام وشغلها عنه بالدموع السجام وهو يستهلها ببيان ضخامة الحادثة وخطورتها ، فقد تزل بالبصرة من ضروب الذل والهوان والخسف والعنف ما ملا نفسه الماً وهولاً وحسرة ولوعة.
وقد ارتبط رثاء المدن والبلدان بحالات الانهيار والتراجع التي كانت تشهدها الدولة العربية الاسلامية منذ العصر العباسي الثاني ، وتصاعد الفتن الداخلية وكثرة الحروب وسقوط المدن في المشرق او المغرب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *