الفلسفة

الاستدلال

شارك المقالة

تعريف الاستدلال:

هــو عملية عقلية ينتقل الفكر فيها من قضية منطقية أو أكثــر إلى قضية منطقية أخرى بينهما ارتباط من نوع معين. وتســمى القضية التي نســتنتجها (نتيجة)، والقضية أو القضايا التي نستنتج منها (مقدمة أو مقدمات) 

ولهذا فإن كل استدلال ينطوي على ثلاثة عناصر:

١ – مقدمة أو مقدمات هي موضوع الاستدلال.

 ٢ – نتيجة لازمة بالضرورة عن هذه المقدمات. 

٣ – علاقة منطقية بين المقدمة أو المقدمات والنتيجة. 

أنواع الاستدلال

 ينقسم الاستدلال في المنطق الأرسطي (الصوري) إلى نوعين: 

 أولا: الاستدلال المباشر:

 وفيه نســتنتج من مقدمة واحدة نتيجة تلزم عنها بالضرورة. كما نســتطيع صدق أو كذب قضية على افتراض صدق أو كذب قضية أخرى. 

وللاستدلال المباشر عدة أنواع ندرس منها الأنواع الثلاثة التالية:

 ١ – الاستدلال المباشر بوساطة تقابل القضايا.

 ٢ – الاستدلال المباشر بوساطة العكس المستوي.

 ٣ – الاستدلال المباشر بوساطة نقض المحمول. 

ثانيا – الاستدلال غير المباشر (القياس) 

القياس كما يعرفه العرب هو قول مؤلف من قضايا متى ســلمت لزم عنها لذاتها قول آخر اضطراراً، القياس أو هو قول مؤلف من قضيتين يلزم عنهما قضية ثالثة. وتســمى القضيتان بالمقدمتين، كما تســمى القضية اللازمة عنهما بالنتيجة.

 وفي القياس ينتقل الفكر من الحكم على الكل إلى الحكم على الجزء الذي يدخل تحت هذا الكل. 

أولا – الاستدلال المباشر

 بوساطة تقابل القضايا

 معنى تقابل القضايا:

 القضايــا المتقابلــة هي القضايا التي تتفق في الموضوع والمحمــول وتختلف في الكم أو الكيف أو كليهما ً معا.

 مثال:

 كل العرب أحرار (ك م)

 لا عربي حر (ك س) 

بعض العرب أحرار (جـ م)

 ليس بعض العرب أحراراً (جـ س)

 وكل قضية من هذه القضايا الأربع تقابلها القضايا الثلاث الأخرى. 

فالقضيــة (ك م) تقابلها القضايا الثلاث الأخرى (ك س) (جـ م)، (جـ س) .. وهكذا. 

ويترتب على ذلك أن الاستدلال المباشر بوساطة تقابل القضايا، يعني أنه من افتراض صدق أو كذب إحدى القضايا الأربع يمكن اســتنتاج صدق أو كذب القضايا الثــلاث الأخرى المتحدة معها في الموضوع والمحمول.

 أنواع التقابل وأحكامه:

 التقابل بين القضايا على أربعة أنواع هي:

 أ – التقابل بالتضاد.

 ب – التقابل بالتناقض.

 جـ – التقابل بالدخول تحت التضاد.

 د – التقابل بالتداخل. 

ولمعرفــة هذه الأنواع وبيان القضايا المتقابلة في كل نوع منها، يمكن توضيحه على مربع التقابل أو مربع أرسطو، وذلك على النحو التالي. كما هو في الشكل:

أ – التقابل بالتضاد:

 ويكون بين قضيتين كليتين مختلفتين في الكم (ك م) (ك س).  وحكمه: القضيتان المتقابلتان بالتضاد لا تصدقان  معا، ولكن قد تكذبان معا. فإذا كانت القضية (ك م) – كل الفلاسفة أدباء – صادقة. فإن القضية (ك س) – لا فيلسوف أديب – كاذبة. أما إذا كانت القضية (ك م) – كاذبة، فإن القضية (ك س) تكون إما صادقة أو كاذبة، ولذلك تقول عنها (غير معروفة أو مجهولة). وكذلك إذا كانت القضية (ك س) كاذبة، تكون القضية (ك م) غير معروفة. 

ب – التقابل بالتناقض:

 ويكون بين قضيتين مختلفتين في الكم والكيف ً معا. (ك م، جـ س). (ك س، جـ م).  وحكمه: القضيتان المتناقضتان لا تصدقان  معا، ولا تكذبان معا. أي أنــه إذا صدقت إحداهما كذبت الأخــرى، وإذا كذبت إحداهما صدقــت الأخرى، فإذا فرضنا صدق القضية (ك م) – كل الفلاسفة أدباء – فإن القضية (جـ س) – بعض الفلاسفة ليسوا أدباء – كاذبة. والعكس صحيح. وكذلــك إذا فرضنــا صدق القضية (ك س) – لا فيلســوف أديب – فإن القضيــة (جـ م) – بعض الفلاسفة أدباء – كاذبة. والعكس صحيح. وينبغي ملاحظة أن التقابل بالتناقض هو أكمل الأنواع، لأنه يعطي  أحكاما قاطعة، إما صادقة أو كاذبة  حتما، ولا يتضمن  أحكاما غير معروفة كما هي الحال في أنواع التقابل الأخرى.

 جـ – التقابل بالدخول تحت التضاد: 

ويكون بين قضيتين جزئيتين مختلفتين في الكيف: (جـ م، جـ س). وحكمه: القضيتان المتقابلتان بالدخول تحت التضاد لا تكذبان  معا، ولكن قد تصدقان معا.

فإذا كانت القضية (جـ م) – بعض الفلاســفة أدباء – كاذبة، فإن القضية (جـ س) – بعض الفلاســفة ليســوا أدبــاء -صادقة. أما إذا كانت القضيــة (جـ م) صادقة، فإن القضيــة (ج س) تكون غير معروفة أو مجهولة. وكذلك الحال فيما لو بدأنا بالحكم على القضية (جـ س). 

د – التقابــل بالتداخل:

 ويكون بين قضيتين مختلفتين في الكم ومتحدتين في الكيف. (ك م، جـ م). (ك س، جـ س). وحكمه: إذا صدقت (ك م) – كل الفلاسفة أدباء – كانت القضية (جـ م) – بعض الفلاسفة أدباء – صادقة. وإذا كذبــت (ك م) – كل الفلاســفة أدبــاء – كانت القضية (جـ م) – بعض الفلاســفة أدباء – غير معروفة. وإذا صدقــت (جـ م) – بعض الفلاســفة أدباء – كانت القضية (ك م) – كل الفلاســفة أدباء – غير معروفة. وإذا كذبت (جـ م) – بعض الفلاسفة أدباء – كانت القضية (ك م) – كل الفلاسفة أدباء – كاذبة. وما ينطبق على القضيتين (ك م)، (جـ م) من أحكام، ينطبق على القضيتين (ك س)، (جـ س).

 جدول توضيح التقابل وأحكامه

ثانيا – الاستدلال غير المباشر (القياس)

 عرفنا فيما ســبق، أن القياس قول مؤلف من قضيتين يلــزم بالضرورة عنهما قضية ثالثة، لوجود حد مشترك في المقدمتين يربط بينهما. وتسمى القضيتان بالمقدمتين، وتسمى القضية اللازمة عنهما بالنتيجة.

 فتكون صورة القياس على النحو التالي:

 كل فاسد ضار (مقدمة كبرى) بعض المشروبات فاسدة (مقدمة صغرى) بعض المشروبات ضارة (نتيجة)

 فالقياس إذن، طريقة من الاستدلال نتوصل فيها إلى الحكم على الجزء بما حكمنا به على الكل الذي يشــتمل على هذا الجــزء، أي أنه قول قدم له بمقدمات معينة، فنتج عنهــا بالضرورة حكم نتج عن تلك المقدمات (انظر المثال السابق). 

قواعد القياس:

 هنــاك قواعد وضعها أرســطو للقياس تكفل صدقه الصوري، بصرف النظر عــن مطابقة نتائجه مع الواقع أو عدم مطابقتها له. وهذه القواعد هي:

 أولا – قاعدتا التركيب:

 ١ – يجب أن يتركب القياس من ثلاث قضايا: 

مقدمتان (كبرى وصغرى) ونتيجة. وهي كما في المثال السابق: 

أ – المقدمة الكبرى – كل فاسد ضار 

ب – المقدمة الصغرى – بعض المشروبات فاسدة 

جـ – النتيجة – بعض المشروبات ضارة 

٢ – يجب أن يتركب القياس كذلك من ثلاثة حدود، 

وهي في المثال السابق:

 أ – الحد الأكبر (ضار): ويرمز له بالرمز (ك). 

ب – الحد الأصغر (المشروبات): ويرمز له بالرمز (ص). 

جـ – الحد الأوسط (فاسد): ويرمز له بالرمز (و).

ويشــترط في الحد الأوسط أن يأتي في المقدمتين بالمعنى نفسه، بحيث يربط بين الحد الأكبر ً من ثلاثة، كما في المثال والحد الأصغر، وإلا كان القياس خطأ لأنه سيشــتمل على أربعة حدود بدلا التالي:

 كل جبن يؤكل (مقدمة كبرى) 

كل هروب من الحرب جبن (مقدمة صغرى)

 كل هروب من الحرب يؤكل (نتيجة)

 هذا القياس خطأ لأن كلمة (جبن) استخدمت في المقدمتين بمعنيين مختلفين. 

ثانيا – قاعدتا الاستغراق:

 ١ – يجب أن يســتغرق الحد الأوسط في إحدى المقدمتين على الأقل. لأن وظيفة الحد الأوسط هي إيجــاد علاقة بين الحدين الأصغر والأكبر، فإذا لم يكن ً مســتغرقا فــي إحدى المقدمتين، فمن المستحيل أن تكون هناك علاقة بين هذين الحدين، كما يتضح من المثال التالي: بعض الكرماء محبوبون (مقدمة كبرى) بعض الناس كرماء (مقدمة صغرى) بعض الناس محبوبون (نتيجة) هذا القياس خطأ لأن الحد الأوســط غير مســتغرق في المقدمتين (لمــاذا؟) وبالتالي لم يقم بوظيفة الربط بين الحد الأصغر (الناس) والحد الأكبر (محبوبون).

 ٢ – يجب ألا يستغرق حد في النتيجة ما لم يكن ً مستغرقا في مقدمته، لأنه لا يجوز أن يفيد النتيجة وقوع الحكم على كل أفراد حديها ما لم يكن هذا الحد نفسه قد وقع الحكم على جميع أفراده في المقدمة الموجود فيها. 

مثال: كل الشجعان أقوياء (مقدمة كبرى)

 كل جندي شجاع (مقدمة صغرى)

 كل جندي قوي (نتيجة)

 هــذا القياس صحيــح، ذلك لأن موضوع النتيجة (جندي) مســتغرق، وهو حد مســتغرق ً أيضا في المقدمة الصغرى الموجود فيها.

ولكن إذا قلنا:

 كل الشجعان أقوياء (مقدمة كبرى)

 لا جندي شجاع (مقدمة صغرى) 

لا جندي قوي (نتيجة)

 فــإن هذا القيــاس يكون غير صحيح. ذلك لأن النتيجة تفيد اســتغراق محمولهــا (قوي)، وهو غير مستغرق في المقدمة الموجود فيها. 

ثالثا – قاعدتا الكيف

 ١ – لا إنتاج من مقدمتين سالبتين. فلابد أن تكون إحدى المقدمتين موجبة على الأقل. مثال: لا جماد حساس (مقدمة كبرى) لا إنسان جماد (مقدمة صغرى) لا إنسان حساس (نتيجة) هذا القياس غير صحيح، لأن المقدمتين تفيدان انفصال الحد الأوسط عن الحد الأصغر والحد الأكبر، وبالتالي يكون الإنتاج فاسداً. 

٢ – إذا كانت إحدى المقدمتين سالبة، فيجب أن تكون النتيجة سالبة، ذلك لأن المقدمة السالبة تفيد انفصال الحد الأوسط عن الحد الأكبر، ولذلك يجب أن تفيد النتيجة هذا الانفصال. مثل قولنا: لا غبي مثقف (مقدمة كبرى) بعض الطلبة أغبياء (مقدمة صغرى) ليس بعض الطلبة مثقفين (نتيجة)

 نتائج قواعد القياس

 هناك عدة نتائج تترتب على القواعد العامة السابقة للقياس. وهذه النتائج هي:

 ١ – لا إنتاج من مقدمتين جزئيتين (سواء أكانتا سالبتين أم موجبتين أم إحداهما موجبة والأخرى سالبة). فإذا كانتا سالبتين – فلا إنتاج منهما لأن الحد الأوسط منفصل عن الحدين الأكبر والأصغر. وإذا كانتا موجبتين – فلا إنتاج منهما، لأن الحد الأوسط غير مستغرق في المقدمتين.

وإذا كانــت إحداهما موجبة والأخرى ســالبة – فلا إنتاج منهمــا، لأن النتيجة تخل بإحدى قاعدتي الاستغراق.

 ٢ – إذا كانت إحدى المقدمتين جزئية، فلابد أن تكون النتيجة جزئية ً أيضا. مثال: كل كريم محبوب (مقدمة كبرى) بعض الأصدقاء كرماء (مقدمة صغرى) بعض الأصدقاء محبوبون (نتيجة) هــذا القياس صحيح، لأنه لو كانت النتيجة (كل الأصدقاء محبوبون) فإنها تفيد اســتغراق موضوعها (الأصدقاء)، وهو غير مستغرق في مقدمته مما يخالف قاعدة الاستغراق.

 أشكال القياس

 تتحد أشــكال القياس  تبعا لموضوع الحد الأوســط في المقدمات، وعلى هــذا تكون للقياس أربعة أشكال ويهمنا من هذه الأشكال الشكل الأول فقط. 

الشكل الأول  في المقدمة الصغرى 

ويعبر عنه ويكون الحد الأوســط فيه ً موضوعا في المقدمة الكبرى ومحمــولا ً رمزيا على النحو التالي: 

و – ك (مقدمة كبرى) 

ص – و (مقدمة صغرى)

 ص – ك (نتيجة) 

أهمية الشكل الأول وشروطه:

 ســنهتم بدراســة الشــكل الأول فقط من أشــكال القياس الأربعة باعتباره أهم هذه الأشكال ً جميعا. وبتطبيق القواعد العامة على هذا الشكل، نجد أنه لابد من توافر شرطين خاصين به هما: 

١ – يجب أن تكون المقدمة الصغرى موجبة. ذلك لأننا إذا فرضنا أنها ســالبة، لترتب على ذلك أن تأتي النتيجة ســالبة ً أيضا (لماذا؟). وعلى ذلك ســيكون الحد الأكبر ً مستغرقا في النتيجة، ولكنه غير مستغرق في مقدمته، وهذا خطأ (لماذا؟). ولذلك لا يمكن أن تكون المقدمة الصغرى سالبة، فيجب أن تكون موجبة.

مثال: كل عربي مخلص لوطنه (مقدمة كبرى)

 لا ألماني عربي (مقدمة صغرى)

 لا ألماني مخلص لوطنه (نتيجة)

 هذا القياس خطأ 

 ٢ – يجب أن تكون المقدمة الكبرى كلية.

 وذلــك لأنه مــا دام يتحتم أن تكون المقدمة الصغرى موجبة، فإن محمولها وهو الحد الأوســط لن يكون ًمســتغرقا. ولذلك يجب استغراق هذا الحد في المقدمة الكبرى وهو موضوعها، وبالتالي يتحتم أن تكون المقدمة الكبرى كلية. 

بعض الأخوة عرب (مقدمة كبرى) 

كل الأوفياء أخوة (مقدمة صغرى)

 بعض الأوفياء عرب (نتيجة)

 وهكذا يتضح أن هذا القياس خطأ 

 ضروب الشكل الأول

 إذا حاولنا تحديد ضروب الشكل الأول استناداً إلى الشرطين السابقين (ما هما؟) فإننا نجد أنها أربعة ضروب توصلنا إلى نتائج صحيحة تمثل لنا القضايا الحملية الأربع، وذلك على النحو التالي:

مميزات القياس وعيوبة

 يعتبر الاســتدلال القياســي جوهر المنطق الأرســطي، وقد حظي بمنزلة كبيرة في العصور القديمة والوسيطة والحديثة باعتباره أول منهج أقيم للتفكير السليم.

 ومن مميزات الاستدلال القياسي ما يأتي:

 ١ – يعتبر القياس بما يوفره من اســتنتاج منطقي ســليم، المرتكز الأساســي الذي يقرب الدراسات العقلية من الفكر المنظم المتسق مع ذاته، وتنقيته من الفكر الأسطوري أو الخيالي.

 ٢ – يســتفاد من القياس في مجالات علميــة كثيرة، كالرياضيات والفلســفة وغيرها من العلوم. فقد حــدث ً مثلا تزاوج بين المنطق والرياضيات في العصر الحديث أدى إلى نشــأة فرع جديد في المنطق هو «المنطق الرياضي أو الرمزي». 

٣ – يكمل القياس المنهج الاســتقرائي العلمي، وذلك حينما يلجأ الاســتقراء إلى التحقق من صدق قوانينه الكلية عند تطبيقها على حالات جزئية لم تكن موجودة قبل صياغة هذه القوانين.

 ومن أهم عيوب الاستدلال القياسي ما يأتي:

 ١ – أدى استخدام القياس، كما وضعه أرسطو دون محاولة لتطويره طوال العصر الأوسط، إلى جمود الفكر لعدة قرون.

ويتضمن القياس معرفة جديدة. فهو لا يأتي بشيء أكثر مما هو متضمن في مقدماته.

 ٢ – لا يتضمن القياس معرفة جديدة، فهو لا يأتي بشيء أكثر مما هو متضمن في مقدماته. ويقول ديكارت في هذا الصدد: «إن قياس أرسطو يفسر لي ً شيئا أعلمه، ولكنه لا يكشف لي عن شيء أجهله». 

٣ – يعتبــر القياس في حد ذاته تحصيــل حاصل «Tautology «لأن النتيجــة متضمنة في المقدمة الكبرى.

٤ – القياس الأرســطي صوري، وليــس ً مرتبطا بالواقع، لأن اهتمامه ينصــب على الصدق الصوري، وليس على الصدق المادي في القضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!