الفلسفة

المنطــــق

شارك المقالة

١ – موضوع المنطق

إن كلمة «منطق» العربية مشــتقة من النطق أو الكلام، حتى أن كلمة «منطق» تعني في بعض الأحيان (١ .(لكنها تعني بالطبع الكلام الدال على تفكير، لا مجرد خروج همهمات «الكلام» كما تقول معاجم اللغة مــن فــم المتحدث أو مجرد أصوات كما يفعل الحيوان. ومن هنا فــإن كلمة «المنطق» العربية تجمع بين الكلام والتفكير في آن واحد.

أمــا لفظ «المنطق» كما هو في اللغــات الأوروبية مثل «Logic «فــي الإنجليزية، «Logique «في الفرنسية، فهو مشتق من الكلمة اليونانية لوجوس «Logos «التي تعني العقل والنطق والكلام .. الخ. والتي فيها ً أيضا جمع بين العقل أو التفكير والنطق أو الكلام، فهي تعني اللغة الاستدلالية. 

ويلاحظ أن «أرســطو» لم يســتخدم هذه الكلمة أي المنطق، وإنما كانت من وضع تلاميذه فقد كان يطلق على دراساته المنطقية اسم التحليلات أو العلم التحليلي. ومن هنا أصبحت كلمة منطق تطلق على التحليلات النقدية للبنية التي تتألف منها الاستنباطات.

ولكــي يتضح لنا موضــوع المنطق، فلابد أن نســوق بعض تعريفات المنطق لدى بعض الفلاســفة والمفكرين عبر العصور المختلفة. فقد عرفه «أرسطو» في العصر اليوناني بأنه «آلة العلم أو صورته». وعرفه «القديس توما الأكويني» في العصور الوسطى بأنه «الفن الذي يكفل لعمليات العقل الاستدلالية قيادة منظمة ميسرة خالية من الخطأ». ويعرفه «جيفونز» Jevons ،في العصور الحديثة بأنه «علم قوانين الفكر».

في ضوء التعريفات السابقة، تبين لنا أن المنطق هو العلم الذي يبحث في المبادئ العامة للتفكير الصحيح، ليضع القوانين الأساسية للفكر. وهذا يعني أن المنطق هو العلم الذي يبحث في التفكير الإنساني، بحيث يميز بين الأحكام والعمليات الذهنية الصحيحة، والأحكام والعمليات الذهنية الفاسدة. وحيث إن التفكير على أنواع كثيــرة، فإن المنطق لا يدرس إلا ً نوعا واحداً فقط هو التفكير الاســتدلالي. أما ألوان التفكير الأخرى (التخيل، التذكر، شرود الذهن، تداعي المعاني .. إلخ) فيقوم بدراستها علم النفس وليس علم المنطق. 

وإذا كان المنطق يكشــف عن مبادئ الاســتدلال الصحيح، فإن ما يهمه هو «الاتســاق الذاتي» Consistency – Self ،أي الترابط بغير تناقض، ترابط الفكر مع نفســه أو اتســاق النتائج مع المقدمات التــي صدرت عنها، بغــض النظر عن مطابقة هذا الفكر للواقع. وهذا هو المقصود بالقول إن المنطق يهتم «بصورة التفكير» لا بمادته. فصحة الفكر مستقلة عن مضمون الفكر أو مادته. ولذا سمي هذا المنطق باسم «المنطــق الصــوري» Logic Formal ،أو المنطق القديم أو المنطق الأرســطي. فقد كانت الصورة عند أرسطو هي الأساس وهي التي تميز الأشياء وتعطيها سماتها الأساسية، أما المادة فلم يكن لها هذا الاعتبار أو تلــك الأهمية التي كانت للصورة. ومن هنا أصبحت صورة الفكر أو الإِطار أو الشــكل هو الذي يهم، أما المادة فلم تكن لها أهمية كبيرة. 

من هذا المنطلق، جاء اهتمام المناطقة القدامى بالمنطق الصوري وحده، حيث كانت مهمته تنحصر في وضع القوانين الصورية التي ينبغي أن يســير عليها التفكير الصحيح، ليصل إلى اســتنتاجات ســليمة، دون أي اهتمام بمضمون أو مادة الفكر نفسه. أما المناطقة المحدثون فقد اهتموا بمضمون الفكر ومادته، وجعلوا المنطق المادي يهتم بتطابق هذا الفكر مع الواقع المادي نفسه. َ ومن هنا كانت ثورتهم علىمنطق أرسطو القديم الذي حصر نفسه في القوانين الصورية للتفكير. 

وإذا ما حللنا التفكير الإنساني نجد أن له جانبين: 

الأول – جانب صوري (صورة الفكر):

 وهو القالب الشكلي المجرد الذي تصب فيه العبارات والمعاني المختلفة وهو الجانب الثابت من الفكر.  مثال: (أ فوق ب). 

الثاني – جانب مادي (مادة الفكر):

 وهو المضمون المادي أو الحقائق والمعاني المختلفة الموجودة في الفكر وهو الجانب المتغير من الفكر. مثال: (العصفور فوق الشجرة).

 وتبعا لانقسام الفكر إلى صورة ومادة، فقد انقسم المنطق بدوره إلى قسمين:

الأول – المنطق الصوري:

 وهو العلم الذي يدرس الفكر من حيث صورته، وينحصر موضوعه في قوانين الفكر العامة، أي في القوانين الصورية للتفكير

الثاني – المنطق المادي:

 وهو العلم الذي يهتم بمضمون الفكر ومادته، ومدى تطابقه مع الواقع. ومهمته تحديد القواعد التي يلتزم بها العلماء في الكشــف عن حقائق العلوم المختلفة. ولذا ســمي هذا المنطق باسم «منطق العلوم» أو «مناهج البحث العلمي.

2- المنطق والحياة اليومية:

يظن كثير من الناس أن المنطق إنما يوجد في الكتب فحسب، دون أن تكون له علاقة بالحياة اليومية. غير أن هذا الظن باطل، من حيث إننا نجد كلمات «منطق»، «غير منطقي»، «منطقي» «لا منطقي»، شــائعة على ألسنة الناس وهي لا تبعد كثيراً في استخدامها اليومي عن الاستخدام الفني لها في كتب المنطق. وإذا كنــا نصادف في حياتنا اليومية الكثير من الأحاديث التي تســتخدم فيهــا كلمات «منطقي»، «غير منطقي»، فإننا نصادف ً أيضا الكثير من الكلمات المنطقية، بل والمصطلحات الفنية الخاصة التي يســتخدمها الناس في حياتهم اليومية، ويســتعلمها الكتاب في كتاباتهم وتنشرها الصحف اليومية … إلخ. فكثيراً ما تستخدم كلمــات «تناقض»، «تضاد»، «تقابل» في أحاديثنا اليومية. وكثيراً ما يقول أحدنا «أنا مســتغرق في العمل». «العكس صحيح»، « ّ قياسا على كذا»، «لا أدري أصل الحكاية أو فصلها» إشارة إلى الجنس والفصل اللذين يتــم بهمــا التعريف. هذا إلى جانب كلمات مثل: «كل»، «بعض» «جزئيــة»، «كلية» وهذان نقيضان فكيف يتفقان؟ وهذا سلب وذاك إِيجاب … الخ. وهكذا نستطيع أن نفهم أن المنطق ليس ً غريبا عن حياتنا اليومية كما أنه ليس منعزلا ً عن شؤوننا الدنيوية.

ويمكننا أن نفهم أهمية المنطق ومدى الحاجة إليه في حياتنا، من خلال الوظائف التالية التي يؤديها وهي:

 ١ – يضع المنطق القوانين العامة التي يعمل الفكر بمقتضاها. 

٢ – يبين المنطق مواطن الزلل في التفكير وأنواع الخطأ وأسبابه.

 ٣ – يزودنا المنطق بمهارات التفكير النقدي، ويفيدنا في بناء الشخصية التي لا تسلم بالأمور إلا بإقامة البراهين والأدلة عليها.

 ٤ – يصف المنطق الطرق المؤدية إلى العلم الصحيح في كل نوع من أنواع العلم، ويناقش الأســس التي تعتمد عليها مناهج العلوم والفرق بين كل علم وقوانين العلم الآخر، أو وجه الشبه بينها. 

٣ – المنطق ودراسة التفكير

التفكير المنطقي وغير المنطقي:

 لقد رأينا كيف أن المنطق يقوم بمهمة الكشــف عن خصائص التفكير المنطقي السليم، واستخلاص القوانيــن التي تحكم الفكر في ســعيه الدائب نحو التوصل إلى الحقائــق. ولما كانت الحقيقة هي الهدف الأسمى الذي يسعى الإنسان إلى بلوغها، باعتبارها النتائج الصادقة المعبرة عن طبائع الأشياء، فإن التفكير المنطقي هو الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من الوصول إلى هذه النتائج.

 والطريــق الصحيح الذي يوصل إلى هــذه النتائج الصادقة هو طريق البرهــان أو التدليل الذي يبدأ بمقدمات نسلم بصدقها، ثم الربط بين هذه المقدمات مع الالتزام بالقواعد الهامة التي تكفل سلامة التدليل.  

أمــا الإيمــان بصدق قضية ما بغير هذا الطريق إنما هو إيمان صــادر عن تفكير غير منطقي ً غالبا ما يؤدي بالإنســان إلى الوقوع في الخطأ، والتخبط في التفكير، مما يبعده عن الحقائق ويجعله غير قادر على حل كثير من مشــكلاته وتطوير حياته. والقوانين التي نلتزم بها في تفكيرنا المنطقي تســمى «قوانين الفكر»، وهي التي تمثل – على الرغم من بداهتها وبســاطتها – الدعامات الأولى لكل تفكير ســليم في أي ميدان من ميادين المعرفة.

٤ – قوانين الفكر 

لمــا كان المنطــق هو العلم الذي يضع لنا المعايير التي نقيــس بها صحة تفكيرنا أو خطأه، فقد اهتم المناطقة منذ القدم بالكشف عن القوانين التي يخضع لها التفكير الإنساني ويلتزم بها للتوصل إلى الحقائق أو النتائج الصادقة. 

وقوانين الفكر التي يرتكز عليها المنطق الأرسطي هي القوانين الثلاثة التالية:

أولا – قانون الذاتية أو قانون الهوية:

 وهو القانون الذي يحكم الفكر بمقتضاه، «إن الشــيء هو ذات نفسه»، ولا يمكن أن يكون ً شيئا غير نفسه، أي أن جوهره ثابت لا يتغير. ويعبر عنه ً رمزيا: (أ هو أ). ومثال ذلك: «الكتاب هو الكتاب». 

 ثانيا – قانون عدم التناقض:

 وهو القانون الذي يحكم الفكر بمقتضاه، «إن الشــيء لا يمكن أن يتصف بصفة ما ونقيضها في آن ّر عنه بالصورة الرمزية التالية: («أ» لا يمكن واحد، طالما أن الشــيء هو ذات نفســه (قانون الذاتية)». ويعب أن يكــون «ب» و«لا ب» في آن واحد). وهذا يعني أنه يســتحيل القول (الكتاب «مفتوح» و«غير مفتوح» في وقت واحد). 

 ثالثا – قانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع: 

وهو القانون الذي يحكم الفكر بمقتضاه، بوجوب «أن يتصف الشــيء إما بصفة معينة أو بنقيضها». ويعبــر عنه بالصــورة الرمزية: (أ) لابد أن يكــون «ب» أو «لا – ب» ولا ثالث لهذيــن الاحتمالين. مثال: (الكتاب لابد أن يكون « ً مفتوحا» أو «غير مفتوح») ولا ثالث لهذين الاحتمالين.

 هذه القوانين الفكرية الثلاثة تستند إلى حقيقة مؤداها، أن كل ما في الكون يتكون من طبائع ثابتة تظل محتفظة بكيانها ً دائما وفي كل الظروف. فالإنســان ً مثلا هو الإنسان ً دائما، وإذا وصفناه بالتفكير فلا يجوز وصفه بعدم التفكير في الوقت نفسه، لأنه إما أن يكون مفكراً أو غير مفكر ولا ثالث لهذين الفرضين. 

٥ – أهم موضوعات المنطق

يقسم المنطق إلى .ثلاثة مباحث رئيسة هي: 

أولا – مبحــث الحــدود أو الألفاظ أو التصورات:

 وهو الذي يدرس الألفاظ مــن حيث دلالتها المنطقية، وأنواعها، والعلاقات القائمة بينها، وليس من الوجهة اللغوية أو النحوية. 

 ثانيا – مبحث القضايا أو التصديقات: 

وهو الذي يدرس القضايا المنطقيةمن حيث أنواعها ومعايير صدقها أو كذبها. 

 ثالثا – مبحث الاســتدلال:

 وهو الذي يدرس الاســتدلال من حيث أنواعه وقواعده وقيمته بالنسبة للفكر الإنســاني. ويقصد بالاستدلال انتقال العقل من قضايا سلمنا بصدقها أو صحتها، إلى قضايا أخرى تلزم عنها. أي استنتاج مجهول من معلوم. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!